الشيخ هادي كاشف الغطاء
29
مستدرك نهج البلاغة
أيها الناس إن الدنيا ليست لكم بدار . ولا محلّ قرار . أنتم فيها كركب عرّسوا فأناخوا . ثم استقلوا فغدوا وراحوا . لم يجدوا عما مضى نزوعا ولا إلى ما تركوا رجوعا . قلّ في الدنيا لبثهم . وعجل إلى الآخرة بعثهم . فأصبحتم حلولا في ديارهم . ظاعنين على آثارهم . تحلون من حالهم حالا . وتحتذون من مسلكهم مثالا . فلا يغرنكم باللَّه الغرور . فرحم اللَّه امرأ راقب ربه ، وتنكَّب ذنبه ، وكابر هواه ، وكذّب مناه ، زمّ نفسه من التّقوى بزمام . وألجمها من الخشية بلجام . فقادها إلى الطاعة بزمامها ، وكبحها عن المعصية بلجامها ، رافعا إلى المعاد طرفه ، متوقعا في كل آن حتفه ، دائم الفكر ، طويل السهر ، عزوفا عن الدنيا ، كدوحا للأخرى ، جعل الصبر مطية نجاته ، والتقوى عدة وفاته ، قد طوى مهاده ، وهجر وساده . عظمت آماله ، وارتعدت أوصاله ، لا يظهر دون ما يكتم ، ويكتفي بأقل مما يعلم . أولئك ودائع اللَّه المدفوع بهم عن عباده ، لو أقسم أحدهم على اللَّه لأبرّه . ومن خطبة له عليه السّلام ( في يوم الجمعة ) الحمد للَّه المتوحّد بالكبرياء ، المتفرد بالآلاء ، القاهر بعزه ، المتسلط بقهره ، الممتنع بقوّته ، المهيمن بقدرته ، المتعالي بجبروته ، المحمود بامتنانه ، المتفضل باحسانه ، نحمده على تظافر آلائه ( 1 ) وتظاهر نعمائه . حمدا يزن قدر كبريائه ، وعظمة جلاله واشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له ، خضعت الخلائق
--> ( 1 ) تضافر آلائه : تكاثر نعمه وتواليها .